في ضوء تكامل المصالح الاقتصادية طويلة الأمد بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والعلاقات الراسخة بينهما، يُرجح استمرار نمو الروابط، ولا سيما في المجال الاقتصادي، بعد التطبيع بين إسرائيل والإمارات.
في أغسطس 2020، أعلنت الولايات المتحدة التطبيع بين إسرائيل والإمارات، الذي يقيم علاقات رسمية بين البلدين. وينص الاتفاق على تطبيع العلاقات في عدة مجالات يسعى الطرفان إلى التعاون فيها، بما يشمل قطاعات حيوية مثل الابتكار والتجارة والرعاية الصحية والعلوم والتكنولوجيا والسياحة.
كانت الدوافع الاقتصادية لإسرائيل والإمارات المحور الرئيسي لهذا الاتفاق. وينظر البلدان إلى التعاون بوصفه وسيلة لدعم صناعاتهما المحلية على المدى القصير وتحقيق الاستدامة على المدى الطويل.

سيُقاس نجاح التطبيع بين إسرائيل والإمارات بقدرتهما على الحفاظ على التعاون الاقتصادي. وتبدو العلاقة مهيأة لاستمرار النمو، نظراً لتكامل المصالح الاقتصادية طويلة الأمد والعلاقات الراسخة بين البلدين.
تمتلك إسرائيل منظومة قوية للشركات الناشئة، وتضم العديد من الشركات التي تسعى إلى تطوير منتجاتها وتسويقها. ولذلك، تتيح قوة العلاقات مع الإمارات للشركات الإسرائيلية فرصة لتحديد زخم العلاقات الاقتصادية وعمقها.
يفتح بدء العلاقات مع الإمارات المجال أمام الشركات الإسرائيلية لبيع سلعها للمشترين الإماراتيين، كما يتيح للإماراتيين ضخ استثمارات كبيرة في الشركات الناشئة الإسرائيلية. وقد شهد مجال الاستثمار حركة ملحوظة؛ إذ أنشأ مكتب أبوظبي للاستثمار فرعاً في تل أبيب وأعلن عن صندوق بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في إسرائيل في قطاعات متعددة.
التطبيع بين إسرائيل والإمارات
يمكن للشركات الإسرائيلية أيضاً الاستفادة من البنية التحتية المتينة لنقل البضائع في الإمارات وفتح أسواق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا. وفي الوقت نفسه، يوفر الموقع الجغرافي للإمارات وحجم تجارتها مع الأسواق الآسيوية فرصاً هائلة لإسرائيل. وتستحوذ الإمارات على نحو 1.5% من التجارة العالمية و2.4% من تجارة الناقلات الدولية.
يمكن للإمارات مساعدة الشركات الإسرائيلية على تسويق سلعها في دول لا تربطها علاقات رسمية بإسرائيل. وفي الوقت نفسه، تستطيع إسرائيل الاستفادة من البنية التحتية لنقل البضائع في الإمارات لتبسيط علاقاتها التجارية القائمة مع الدول الآسيوية وتعزيزها. ويشمل ذلك الهند، وهي مستورد كبير للسلع الإسرائيلية والإماراتية. ووفقاً لبعض التقديرات، قد تتوسع التجارة الثلاثية إلى 110 مليارات دولار بحلول عام 2030.
تشكل صناعة الألماس جزءاً كبيراً من الصادرات الإسرائيلية والإماراتية. ووفقاً لبعض الإحصاءات الاقتصادية، صدّرت إسرائيل ألماساً بقيمة 11.2 مليار دولار، وصدّرت الإمارات ما قيمته 9 مليارات دولار في عام 2019. وكانت الهند الوجهة الرئيسية لصادرات البلدين، إذ استوردت ربع صادرات الألماس منهما في عام 2019.
وإدراكاً لإمكانات هذه الشراكة، وقّعت إسرائيل والإمارات اتفاقاً للعمل معاً في صناعة الألماس. وفي سبتمبر 2020، وصف رئيس مركز دبي للسلع المتعددة، المنطقة الحرة في الإمارات، تجارة الألماس الثلاثية مع الهند بأنها «فرصة».
تسعى إسرائيل أيضاً إلى خصخصة موانئها. ويمكن لخبرة الإمارات في تطوير الموانئ وشبكات البنية التحتية أن تدعم هذه المبادرة. لكن يبقى أن نرى مدى إمكان الاستفادة من خبرة دبي في إنشاء منظومة موانئها من الصفر ضمن سياق الخصخصة. وقد قدمت موانئ دبي العالمية، ومقرها دبي، وهي من أكبر مشغلي المحطات البحرية في العالم، عرضاً مشتركاً مع أحواض بناء السفن الإسرائيلية في أكتوبر 2020 لخصخصة ميناء حيفا.
المصالح الاقتصادية
بالتوازي، سعت الإمارات إلى تشجيع ريادة الأعمال وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وظهر ذلك بوضوح في استحداث منصب وزير دولة لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة في عام 2020. ويمكن لإسرائيل تقديم الدعم في هذا المجال بفضل منظومتها القوية للشركات الناشئة، ومن خلال تبادل أفضل الممارسات مع شريكها الخليجي الجديد.
فعلى سبيل المثال، وقّعت شركة رأس المال الاستثماري الإسرائيلية OurCrowd في أكتوبر 2020 اتفاق شراكة مع شركة فينيكس الإماراتية لتطوير الأعمال. ويسعى الاتفاق إلى ربط الشركات الإسرائيلية بالمستثمرين الإماراتيين، مع منح الشركات ورجال الأعمال الإماراتيين منصة للقاء رواد الأعمال والمستثمرين الإسرائيليين.
تسعى الإمارات أيضاً إلى تعزيز اكتفائها الذاتي وتنويع اقتصادها، مع التركيز على اقتناء التكنولوجيا ونقل المعرفة. وتركز رؤية الإمارات 2021 على الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية البيئية. ونظراً لقوة إسرائيل في تكنولوجيا المياه والزراعة والطاقة المتجددة، تتوافر فرص واسعة للتعاون في هذه المجالات التي حددتها الإمارات ضمن تحدياتها الرئيسية.
كما تؤكد الإمارات أهمية تطوير المعرفة المحلية عبر زيادة الفرص التعليمية وبناء قطاع محلي للبحث والتطوير. ويدعم التعاون مع الشركات والمؤسسات التعليمية الإسرائيلية الرائدة هذا التوجه. فعلى سبيل المثال، أنشأت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي ومعهد وايزمان للعلوم في إسرائيل «البرنامج المشترك لأبحاث الذكاء الاصطناعي».
إسرائيل والإمارات
على مدى الأشهر الثمانية الماضية، عملت إسرائيل والإمارات أيضاً على ضمان أن تترافق العلاقات الطبيعية بين الدولتين والروابط الاقتصادية القوية مع فرص للسياحة والتبادل الثقافي وغيرها من المبادرات الواسعة. وأعلن مسؤولون حكوميون في البلدين رغبتهم في إقامة «سلام دافئ». وأصبح بإمكان الإسرائيليين السفر إلى أبوظبي ودبي، وبإمكان الإماراتيين زيارة القدس وتل أبيب. وقد سافر بالفعل نحو 130,000 سائح إسرائيلي إلى الإمارات.
وفي حين فرضت إسرائيل قيوداً صارمة مرتبطة بفيروس كورونا على المسافرين الأجانب، فإنها تدرس إنشاء ممر سفر مع الإمارات دون حجر صحي لمن تلقوا اللقاح. وفي عام 2021، تتوقع وزارة السياحة الإسرائيلية استقبال 100,000 سائح من الإمارات، تبعاً لتطورات الأزمة الصحية. ويمكن للعلاقات الشخصية التي تتشكل عبر السياحة والتبادل الثقافي أن تضمن استفادة الإسرائيليين والإماراتيين من تطبيع العلاقات.
التطبيع بين إسرائيل والإمارات: شراكة اقتصادية مستدامة
استناداً إلى أهدافهما الاستراتيجية ونقاط القوة لدى كل منهما، تبدو الإمارات وإسرائيل مهيأتين بصورة خاصة لتعاون اقتصادي مستدام. وتوفر أوجه التكامل هذه بالفعل فرصاً كبيرة للبلدين، كما يظهر من عدد الاتفاقيات والشراكات القائمة بينهما وسرعة تنفيذها. ومن السفر والسياحة إلى الاستثمارات المخطط لها والمشاركة المشتركة في منتديات الأعمال متعددة الأطراف، تدعم هذه التطورات الملموسة الانفتاح الدبلوماسي بإظهار قدرة العلاقات على تحقيق فوائد اقتصادية واجتماعية فورية ومرئية.
منذ التطبيع بين إسرائيل والإمارات، استفادت الشركات الخاصة من الوصول إلى أسواق جديدة. وبين سبتمبر 2020 ونهاية يناير، بلغ حجم التجارة بين إسرائيل ودبي 272 مليون دولار على الأقل. وقُدّرت واردات دبي من الشركات الإسرائيلية بنحو 88.5 مليون دولار، وصادراتها بنحو 165.2 مليون دولار. كما بلغت تجارة العبور نحو 26.9 مليون دولار.
أرست الاتفاقيات الإطار الذي أتاح للبلدين توقيع نحو 86 اتفاقاً أو شراكة ثنائية. وتشمل هذه الاتفاقيات نحو 20 اتفاقاً حكومياً، ونحو 53 اتفاقاً مع القطاع الخاص، وسبع جامعات ومراكز بحثية. وامتدت إلى قطاعات أساسية مثل التكنولوجيا الزراعية والطاقة الخضراء والتمويل. كما تضمنت عقوداً متنوعة، مثل الاتفاقات بين المؤسسات الإعلامية أو تبادل ممثلي الشرطة. وتركزت غالبية الاتفاقات على الابتكار والتجارة، بما يعكس سعي الحكومتين إلى التعاون لتطوير التقنيات الجديدة وتوسيع الوصول إليها.
يوفر التطبيع بين إسرائيل والإمارات فرصاً اقتصادية كبيرة للبلدين. ومع ذلك، يتعين عليهما إدراك الخلافات المحتملة وإيجاد سبل لمعالجة القضايا المثيرة للجدل دون الإضرار بقوة العلاقات. ومن الأمثلة الحديثة على التوترات ردّ الإمارات على توظيف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للاتفاقيات لتعزيز حملته الانتخابية. فالعلاقات بين البلدين ليست بمنأى عن الخلافات الناجمة عن الديناميكيات السياسية الداخلية.
منذ إعلان اتفاق التطبيع، اتخذت إسرائيل والإمارات خطوات عديدة لتيسير التعاون الاقتصادي والتنمية، بهدف إرساء أسس علاقات اقتصادية أعمق. وفي سبتمبر 2020، قدّر إيلي كوهين، وزير الاستخبارات الإسرائيلي، أن التجارة بين إسرائيل والإمارات قد تبلغ نحو 4 مليارات دولار سنوياً خلال السنوات الثلاث إلى الخمس التالية.
تشير الشراكات الواسعة والاستثمارات المشتركة في قطاعات مختلفة إلى السبل، وإن لم تضمنها، التي يمكن من خلالها لإسرائيل والإمارات بلوغ هذا المستوى الطموح من التجارة في فترة شديدة الضغوط، والاستعداد لتلبية احتياجاتهما وتحقيق أهدافهما على المديين القصير والطويل. ومع بدء تعافي إسرائيل والإمارات من الجائحة، يكاد يكون من المؤكد أن تطور علاقتهما سيوفر مزيداً من فرص التعاون، في سعيهما إلى تنشيط اقتصاديهما من أجل مستقبل مستدام ومزدهر.
